طعم الحاجات
يقف ذلك الاسمر على المسرح البعيد...تتسلط الاضواء عليه...فتنطلق هتافات الحشود...صراخ المفتونات بصوته العذب وشعره الثائر ويديه الهائمتين يملأ الأفق...صوره المحمولة على الاذرع تتأرجح فى كل مكان...يفرد ذراعيه فى الهواء لييحى تلك الجماهير الغفيرة...يلتقط الميكروفون ويبدأ فى الغناء...
طعم الحاجات بيعيش ساعات
ويدوب قوام...وقوام يفوت....جوا القلوب والذكريات ما يعيش غير ... طعم البيوت
ويدوب قوام...وقوام يفوت....جوا القلوب والذكريات ما يعيش غير ... طعم البيوت
لكن للأسف الشديد...لم يعد الحال كما يغنيه ذلك الاسمر...
(طعم الحاجات) لم يعد ليعيش أكثر من ثوانى معدودة....فتلك الحياة الصاخبة والايقاع السريع والضغوط المتتالية لم تعد لتترك لأى فرد منا فسحة من الوقت كى يتذوق ذلك الطعم...ذلك وإن وجدت فى الاصل تلك (الحاجات) التى تجعلنا نتوق لتذوق طعمها...
لكننى أستطيع أن اضمن أن هناك بالفعل (حاجات) يظل طعمها عالقا كالعلقم فى الحلق لسنوات وسنوات...وما أكثرتلك (الحاجات) التى تحبط النفس وتنزل عليها ستارا أسودا قاتما لا ينزاح إلا بإزاحة تلك (الحاجات) التى من الجلى أننا لن ننال شرف رؤيتها وهى تنزاح...
( جوا القلوب والذكريات)... يا لعذوبة الذكريات إن كانت لأيام رائعة...كزهرة عباد الشمس فى أرض توقفت فيها الأزهار عن النمو...كرشفة صغيرة من مشروب برتقال منعش والعرق لازال يتصبب على الجبين...إن كانت تلك الذكريات لازالت (جوا القلوب)...فسنستطيع العيش...بالرغم من توقنا الى أن تحمل أرضنا زهرتين بدلا من واحدة,وبالرغم من شغفنا حيال رشفة أخرى من ذلك المشروب...
ستكون هذه هى الحال إن حبانا الله ذلك النوع من الذكريات...لكن إن كان( جوا القلوب) ذكريات من نوع اخر...سنتمنى لو أن تلك القلوب قد خلعت من أماكنها لعلنا نجد الخلاص...سنتمنى لو أن أرواحنا قد خوت فلايصبح للحزن أدنى أثر...سنتمنى لو أن عقولنا قد ذهبت فلا نعد تستشعر نيرأن الفقدان ولا اعتصار المرض ولا كاّبة العجز...
(مايعيش غيرطعم البيوت)...أستطيع أن أراهن بعمرى على أن تلك البيوت التى يقصدها ذلك الاسمر ليست بيوت الحاضر...ليست بالبيوت الخرساء التى ضن أصحابها على بعضهم حتى بالحديث...ليست بالبيوت العمياء التى عجز أصحابها عن رؤية أرواح بعضهم - وليست رؤية بعضهم بعضا فقط - ليست بالبيوت الباردة التى لا يجتمع أهلها الا على الغذاء...ذلك إن اجتمعوا فى الاساس...
أراهن أن (طعم البيوت) إنما لبيوت الماضى تلك التى كانت (فى الشارع الطيب)...بيوت فى مساحة غرفتين وفى اتساع السماء...تحتضن أهلها وتستقبل زائرها كشجرة صفصاف عتيقة يرتاح تحتها الجميع...
(طعم البيوت) والجدة تجلس على رأس الجمع والكل يصنع الكحك...والصغار بعضهم ينقش على سطحها,والبعض الاخر اختار أن يأخذ جزءا من العجين ليصنع حصانه أو تصنع عروستها...(طعم البيوت) عندما تنادى الخالة على ابنة أختها ذات الأربعة عشر ربيعا لتحمل مع قريناتها تلك الصوانى إلى المخبر المجاور ...(طعم البيوت) عندما يتسابق الصغار إلى أول كحك تم صنعه,ثم يتساقط من أيديهم عندما تلسعهم حرارته...
ذلك الطعم الذى نتمنى جميعا أن نحظى به من جديد.
اللوحة للفنان فان جوخ